تقرير بحث السيد كمال الحيدري لحيدر اليعقوبي

114

شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي )

وإنَّما اختلَفوا في توجيهِ هذهِ الدلالةِ وتفسيرِها إلى عدّةِ أقوال : القولُ الأوّلُ : أن ذلك بالوضع ، بمعنى أنّ لفظَ الأمرِ موضوعٌ للطلب الناشئِ من داعٍ لزوميّ ، وصيغةُ الأمرِ موضوعةٌ للنسبةِ الإرساليةِ الناشئةِ من ذلك . ودليلُ هذا القولِ هو التبادرُ ، مع إبطالِ سائرِ المناشئِ الأخرَى المدَّعاةِ لتفسيرِ هذا التبادر . القولُ الثاني : ما ذهبَ إليه المحقِّقُ النائيني ( رحمه الله ) من أنَّ ذلك بحكم العقل ، بمعنى أنّ الوجوبَ ليس مدلولًا للدليل اللفظيّ ، وإنما مدلولُه الطلبُ ، وكلّ طلبٍ لا يقترنُ بالترخيصِ في المخالفةِ يحكمُ العقلُ بلزومِ امتثالِه ، وبهذا اللحاظِ يتَّصفُ بالوجوب ، بينما إذا اقترنَ بالترخيصِ المذكورِ لم يُلزمْ العقلُ بموافقتهِ ، وبهذا اللحاظِ يتَّصفُ بالاستحباب . ويرِدُ عليه : أوّلًا : أن موضوعَ حكمِ العقلِ بلزومِ الامتثال لا يكفي فيه مجرَّدُ صدورِ الطلبِ معَ عدمِ الاقترانِ بالترخيص ؛ لوضوحِ أنّ المكلَّفَ إذا اطَّلعَ بدونِ صدورِ ترخيصٍ من قِبل المولى على أنّ طلبَهُ نَشأَ مِن مِلاكٍ غَيرِ لزوميَّ ولا يؤذي المولَى فواتُه ، لم يَحكُمِ العقلُ بلزومِ الامتثال . فالوجوبُ العقليُّ فرعُ مرتبةٍ معيّنةٍ في ملاكِ الطلب ، وهذه المرتبةُ لا كاشفَ عنها إلّا الدليلُ اللفظيُّ ، فلابدَّ مِن فرضِ أخذِها في مدلولِ اللفظِ لكي يتنقَّحَ بذلك موضوعُ الوجوبِ العقليّ . وثانياً : أن لازمَ القولِ المذكورِ أن يُبنَى على عدمِ الوجوبِ فيما إذا اقترنَ بالأمرِ عامٌّ يدلُّ علَى الإباحةِ في عنوانٍ يشملُ بعمومهِ موردَ الأمر . وتوضيحُ ذلك : أنه إذا بنينا على أنَّ اللفظَ بنفسِه يدلُّ علَى الوجوب ، فالأمرُ في الحالِة التي أشرنا إليها يكونُ مخصِّصاً لذلك العامِّ الدالِّ على